متى يفرض التغيير؟!
التغيير سنة كونية لا تُقاوَم، ومقاومته رهان خاسر. لكن ماذا يحدث حين يطلبه من لا يملك القرار، ويرفضه من يملكه؟

التغيير سنة
التغيير سنة من سنن الحياة، بل سنة من سنن الكون الثابتة، التي لا تبديل لها أو تغيير، والتي تطال كل شيء، ولا يكاد يسلم منها حتى الجمادات، بالإضافة إلى أنها ضرورة تفرضها الظروف المتغيرة، وحين نقول: سنة كونية ثابتة، يعني أنها قانون لا يتخلف أبداً، وعلى الكون بكل ما فيه أن ينسجم مع هذه السنة الكونية، فلا يجوز مصادمتها، أو العمل على معاكستها، فمن عاكسها صدمته، ومن خالفها دمرته..
ومن سار على هديها، مستجيباً لمتطلباتها، ظفر بغايته، وارتقى بمكانته، وحافظ على وجوده، وبقيت زمام الأمور بيده..
مقاومة التغيير
من باب أن كل جديد غريب، أو كل تجديد يصب في دائرة التغريب.. فإن التغيير يجد خصوماً أشداء في مقاومته، وصفوفاً متراصة في صده.. فكل مرحلة من المراحل التي يمر بها الإنسان، تتطلب تجديداً في كثير من القضايا والجوانب، تفرضها متطلبات الواقع المتغير، بما يشهده هذا الواقع من مخترعات وتقنيات علمية وغيرها.. البعض يستجيب لهذا التجديد، وهم -في الحقيقة- قلة، غير أن السواد الأعظم من الناس يرفض التجديد، ولا يقبل بمتطلباته، ويتمسك بقديمه الذي تأسس عليه، أو أنشأ عليه عمله، وهو ما يسمى بـ«مقاومة التغيير»، ولذلك أسباب منها الخوف من الجديد، والارتياب والتوجس من المجهول، إذ يفضل كثير من الناس الواقع بعلاته، على المستقبل المجهول، غير المضمون، مع انعدام الثقة بجدوى التغيير وفائدته المرجوة، ولغياب الطموح والتطوير، لسان حال هذه الفئة المقاومة للتغيير، تردد: «ليس بالإمكان أبدع مما كان».. ولقناعته بما هو عليه.. شعاره: «القناعة كنز لا يفنى».. بالإضافة إلى عدم وجود قناعة حقيقية بالحاجة للتغيير..
التغيير لا يقاوم
كما أسلفنا الحديث بأن التغيير سنة كونية ثابتة، لا يجوز مصادمتها، فمعنى هذا أن كل الجهود التي تبذل لمقاومته، والحيلولة دون تحقيقه، هي -في الحقيقة- جهود فاشلة، بل في الغالب تكون عاقبتها وخيمة، على من يتمترسون خلف جدر مناهضته ومقاومته.. وهو قادم لا محالة، فالسنن الكونية لا تقاوم، ولا تقوى قوة مهما بلغت على إبطالها، أو إيقافها.. فالمقاومة في ميدان التغيير رهان خاسر، قد تعيقه حيناً من الزمن، وتؤخر تنفيذه، لكنه بالتأكيد -أي التغيير- صاحب العاقبة، وله في النهاية كلمة الفصل..
تخطيط التغيير
لما كان التغيير لا يقاوم، فالواجب التواؤم مع التغيير، والعمل على الارتقاء بسبل التغيير، والسعي في إيجاد قاعدة مرحلية في إرساء سبله، وتحقيق متطلباته، على مهل وبصيرة، دون عجلة مخلة، أو إبطاء مضر.. وهذا يتطلب بالإضافة إلى مواكبة العصر، والإلمام بجوانبه، والوقوف على متغيراته، وجود خطة واضحة المعالم، محددة الأهداف، مرسومة الخطوات.. ترصد الواقع بدقة، فتعمل على مجاراته، لا بل تسبقه بخطوات، لأن الخطر الكبير حين تتسع الشقة بين الواقع وأهله.. فتولى الدراسات المستقبلية أهمية خاصة.. في المؤسسات والشركات والمجموعات والدول.
فلا يجوز أن يكون التغيير إن وجد ارتجالياً بحال من الأحوال، لأن الارتجال -في حقيقته- يفسد الأعمال، والتخطيط الصحيح يصب في بوتقة تغيير صحيح.. يكون أكثر قبولاً، وأقوى إقناعاً، وأعمق تأثيراً..
التغيير المقبول
التغيير المقبول له متطلبات شاقة، من خلالها نستطيع أن نوجد أرضية حقيقية، ونفسية مهيأة، وعقلية متفتحة، كي نشكل بيئة صالحة لغرس بذرة التغيير، ودون إيجاد هذه البيئة المناسبة سيبقى التغيير في حد ذاته مشكلة، يتجاذب أطرافها فريقان أو ربما أكثر، مما يؤدي إلى شرخ في الصف الواحد، وانعكاسات سلبية على جميع الأصعدة.. ولعل من أهم متطلبات التغيير المقبول الحوار والإقناع، الذي به تأكيد على التعامل الإيجابي مع الآخر المقصود بالتغيير، وأن رأيه محترم، ويؤخذ بعين الاعتبار، يشارك ويناقش، ويجاب على تساؤلاته، وتزال مخاوفه، وينار له سبيله.. فالتغيير في حقيقته دعوة إلى مستقبل مجهول، بحاجة إلى من يجلي صورته، ويوضح غامضه، ويبين أهدافه، ويشير إلى فوائده.. وهذا كله يتجلى بوضوح عبر قنوات الحوار الهادف، والنقاش البناء. فالتغيير المقبول هو التغيير المؤسس على قاعدة التواصل والحوار.
التغيير المفروض مرفوض
من باب كل ممنوع مرغوب، فإن كل مفروض مرفوض، أو على الأقل يقابل في البداية بالرفض والتمرد عليه، وهذا -في الحقيقة- هو ما جبلت عليه النفوس البشرية، فهي تميل أن تكون مساهمة في صناعة مستقبلها، لا مساقة إليه بالقوة والجبر..
ولما كان التغيير حقيقة لا بد منها، فالأفضل أن يأتي بالإقناع والحوار، ضمن خطة واضحة كما أسلفنا، حتى لا نقع في محذور الرفض، الذي قد يقود إلى الفوضى، والإضرار بالمؤسسة المعنية، بغض النظر عن هذه المؤسسة، التي قد تكون أسرة، أو مدرسة، أو مصنعاً، أو شركة، أو غيرها.
وليس صعباً أن نصل إلى لغة مشتركة بين طالبي التغيير ورافضيه، لأن لغة التغيير أقوى، وحجته أمضى، غير أن هذا يتطلب أن يكون أصحابه متسلحين جيداً بثقافة التغيير، مفعمين بحيوية المستقبل، مدركين أدلته وبراهينه..
وهذا الرفض لا يعيب بأي حال التغيير، لكن المعيب هو الفرض، فالمرفوض هو المفروض، وليس التغيير، وهذا شأن كل أمر يفرض بالقوة.. أن يقابل بالرفض..
هل يفرض التغيير فرضاً؟
نعم، ممكن أن يفرض التغيير فرضاً، وممكن أن يصبح حقيقة واقعة، ولا يقوى الناس على رفضه، لأسباب، منها أن التغيير بحد ذاته حقيقة واقعية، إن لم يكن بالرضى والتوافق، كان بالجبر والإكراه.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن من يملك القوة والقرار يملك فرض ما يريد ويرى، فليس من الصعب على صاحب القرار أن يفرض التغيير فرضاً..
لكن المشكلة حين يطلب التغيير من لا يملك القرار، وحين يكون صاحب القرار هو من يرفض التغيير، فهل من الممكن في هذه الحالة أن يفرض التغيير فرضاً؟ ولا يجد صاحب القرار عندئذ إلا أن يرضخ له؟!
نعم، ممكن أن يفرض التغيير فرضاً، من قبل من لا يملك القوة والقرار، ولهذا الفرض وسائله المتعددة، التي تجعل صاحب القوة ضعيفاً، وصاحب القرار راضخاً، بعد أن تفشل الجهود في إقناعه بضرورة التغيير، من خلال ميادين الحوار الهادف، وجلسات النقاش الجاد.. يأتي دور وسائل أخرى تتدرج في قوتها وعنفوانها، حتى يفرض التغيير فرضاً..
من هذه الوسائل اللجوء إلى وسائل الإعلام المختلفة، في شن حملة إعلامية، تكشف المستور، وتنشر الغسيل، وتظهر العيوب.. ثم تصعد الحملة إلى تعليق العمل والدوام جزئياً، إلى أن يصل الأمر إلى إضرابات تتصاعد حتى تبلغ إضراباً عاماً، تشل به الحركة، ويتعطل خط الإنتاج، وتقف عجلة الحياة عن الدوران.. الأمر الذي يُحكم الطوق حول الأعناق الرافضة، التي سرعان ما تترنح تحت هذه الضربات السريعة، والتي بالتأكيد سيكون ثمنها باهظاً.
إن لم تَتَغيَّر تُغَيَّر
هذه حقيقة يجب أن يدركها كل من يملك ثم يرفض أن يقبل، فمن ملك ولم يستجب لمتطلبات الواقع، وحاجة من في هذا الواقع، فإن العجلة الدائرة للزمن، ستتجاوزه إن لم تدهمه، وتتركه أثراً بعد عين، وخبراً بعد حقيقة.. وهذه حقيقة قد تعاقبت التجارب الإنسانية على تأكيدها، في سجل ضخم وهائل من القصص والحكايات، التي تثبت ما نذهب إليه وتؤكده..
فما كان يرضى به الآباء لا يرضى به الأبناء، وما كان يقنع جيلاً لا يسدُّ رمق جيل آخر، ولكل عصر متطلباته، ولكل جيل حاجاته، ولكل زمان أدواته..
فإن لم تتغير، وأبيت إلا أن تحمل اللاحق على ما كان عليه السابق، فسيأتي من يلزمك بالتغيير، فعندئذ تُغيَّر رغماً عنك، فتكون في ذلك شبيه أداة لا حول لها ولا فضل، غير أنها ميدان للتغيير..
اقرأ أيضاً في مجتمع وهوية

المرأة.. حصنُ الفطرة في مهبِّ العاصفة
وثيقة استرداد لهوية ضاعت في زحام المادية. قراءة في موقع المرأة بين نداء فطرتها وضجيج عالمٍ يطالبها أن…

بشرية ممسوخة!!
أجسادٌ تتحرك وقد فقدت روحها. تأمل في الشارع المعاصر وما فعلته الشاشات والغرائز المنفلتة بملامح الإنسان.

التعليم والمتعلِّم بين همّين؛ الوظيفة والرسالة!
جيوش جرّارة من حملة الشهادات، وقلّة نادرة تركت أثراً. ما الذي يصنع الفرق؟ قراءة في تعليم رُبط بالسوق…