تخطَّ إلى المحتوى
السبت، 31 تشرين الأول 2026 «قلم رصاص».. لأن المعرفة الحقيقية لا تُكتب على عجل
سياسة وتحولات · تحليل

فقه المآلات في اجتهادات الحركات الإسلامية.. بين التنظير وقسوة الواقع السياسي!

مئة عام من التضحيات والمحن والتمكين النادر. فإلى أي مدى كان النظر في العواقب حاضراً في العقل الاستراتيجي للحركات الإسلامية؟ قراءة في مصر وتونس والمغرب والجزائر.

فقه المآلات في اجتهادات الحركات الإسلامية.. بين التنظير وقسوة الواقع السياسي!

بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، أصيب العالم الإسلامي بصدمة حضارية عنيفة، وفي خضم هذا التيه والبحث عن الذات، برزت الحركات الإسلامية الحديثة، التي أخذت على عاتقها مشروعاً شديد الضخامة والتعقيد، يتلخص في إنقاذ الهوية، واستئناف الحياة الإسلامية، وإعادة بناء الفرد والمجتمع، وصولاً إلى بناء الدولة، وخلال هذه المسيرة الطويلة التي امتدت لقرابة مائة عام، مرت هذه الحركات بمنعطفات تاريخية بالغة الخطورة، وتأرجحت بين محن قاسية في غياهب السجون والمنافي، وبين محطات نادرة من التمكين والتصدر السياسي، لتنتهي في كثير من الأحيان بانتكاسات مدوية وتراجعات مؤلمة.

قراءة هذا التاريخ الحافل بالدماء والدموع والتضحيات الجسام، يبرز أمامنا سؤال جوهري ومحوري، طالما كان حاضراً في أروقة النقد الذاتي والمراجعات الفكرية العميقة: إلى أي مدى كان «فقه المآلات» حاضراً في العقل الاستراتيجي لهذه الحركات عند اتخاذ قراراتها المصيرية؟!

المتأمل في مسيرة العمل الإسلامي الحركي، يلحظ مفارقة عجيبة تستدعي الوقوف؛ ففي الوقت الذي تزخر فيه المكتبة الإسلامية وأدبيات هذه الحركات بالنصوص الشرعية التي تدعو إلى الحكمة، ووزن الأمور بميزان المصالح والمفاسد، والنظر في العواقب، نجد أن الممارسة العملية على أرض الواقع الميداني والسياسي كثيراً ما اتسمت بالاندفاع العاطفي، والصدام الصفري، وتجاهل مآلات الأفعال ونتائجها البعيدة، هذا التجاهل أفضى في أحيان كثيرة إلى نتائج كارثية، لم تقتصر تداعياتها على البنية التنظيمية للحركات نفسها، بل امتدت لتشمل استقرار المجتمعات، تحاول هذه المقالة تفكيك هذه الإشكالية المعقدة، واستكشاف مدى حضور أو غياب «فقه المآلات» في العقل الحركي، مع تحليل الأسباب التي أدت إلى هذا الغياب، واستعراض نماذج تطبيقية، وصولاً إلى استشراف المستقبل.

بين فقه المآلات الشرعي والبراغماتية النفعية

لا يمكننا نقد الممارسة الحركية أو تقييمها دون تحرير المفهوم وضبطه أولاً، يُعرّف «فقه المآلات» في علم أصول الفقه والسياسة الشرعية بأنه: إمعان النظر في العواقب والنتائج التي تؤول إليها الأفعال والتصرفات، وبناء الحكم الشرعي أو الموقف السياسي والعملي على أساس تلك العواقب المتوقعة، إما جلباً لمصلحة راجحة، أو درءاً لمفسدة غالبة.

وقد أصّل الإمام أبو إسحاق الشاطبي لهذا المبدأ العظيم في كتابه الفذ «الموافقات» حين سطر قاعدته الخالدة قائلاً: «النظر في مآلات الأفعال معتبرٌ مقصودٌ شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام؛ إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل». بل إن الإمام العز بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء، بنى قواعد الأحكام كلها على جلب المصالح ودرء المفاسد.

هذا الفقه ليس ابتكاراً متأخراً ولا مجرد ترف فكري، بل هو منهج نبوي وتطبيق عملي أصيل في السيرة العطرة، فقد امتنع النبي ﷺ عن قتل رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول رغم ثبوت خيانته العظمى في أوقات الحروب، ولم يلتفت إلى الفعل بحد ذاته، بل نظر إلى مآله الكارثي على سمعة الدعوة الوليدة، معللاً ذلك بقوله: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»، وامتنع ﷺ عن هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم -وهو الحق- درءاً لفتنة قوم حديثي عهد بكفر.

وفي صلح الحديبية، تتجلى صور فقه المآلات؛ فقد قدم النبي ﷺ تنازلات مرحلية بدت في ظاهرها قاسية ومجحفة (كرد المسلمين الفارين من مكة، ومحو صفة النبوة من وثيقة الصلح)، مما أثار حفيظة كبار الصحابة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن الوحي والقيادة النبوية كانت تستشرف مآلات استراتيجية أعظم، تجلت في تحييد قريش، والتفرغ لنشر الدعوة في بيئة آمنة، وهو ما أسماه القرآن الكريم بـ«الفتح المبين».

ومع ذلك، وقعت العديد من تيارات الحركة الإسلامية المعاصرة في التباس مفاهيمي خطير؛ حيث توجست خيفة من استخدام مصطلح «فقه المآلات» أو «المصالح والمفاسد»، ظناً منها أنه انزلاق نحو «البراغماتية النفعية» المطلقة، أو الميكافيلية السياسية (التي ترفع شعار: الغاية تبرر الوسيلة)، وفي الحقيقة، أن البون شاسع بين الأمرين؛ فالميكافيلية تتنكر للأخلاق والمبادئ، وتستبيح المحرمات القطعية لتحقيق المصلحة الدنيوية الذاتية، بينما فقه المآلات الشرعي منضبط بضوابط المقاصد الكلية للشريعة، فهو لا يحلل حراماً قطعياً، ولا يبرر ظلماً، ولكنه يوازن بين المصالح المتعارضة، ويتحمل المفسدة الدنيا لدرء المفسدة العليا، وقد يوقف العمل بمشروع في ظاهره المصلحة التامة، إذا كان مآله يفضي إلى مفسدة أعظم، تعصف ببيضة المسلمين واستقرارهم.

لماذا طغت العاطفة على الاستراتيجية؟

لفهم أسباب ضمور فقه المآلات في اجتهادات الحركات الإسلامية، لا بد من العودة إلى الجذور التكوينية والثقافية التي نشأت عليها هذه الكيانات، والتي يمكن تلخيصها في عدة نقاط مركزية:

غلبة البعد الدعوي والوعظي: تشكلت معظم الحركات الإسلامية في بداياتها كحركات «دعوية وتربوية»، هدفها الأساسي إنقاذ المجتمع من موجات التغريب، ومواجهة المد الشيوعي والعلماني، هذا التكوين التربوي خلق عقلاً جمعياً يميل بطبعه إلى المفاصلة الحدية بين «الحق والباطل»، و«الإيمان والكفر»، واعتمدت هذه الحركات في حشدها على الخطاب الوعظي الذي يخاطب العواطف والقلوب، ويستنهض الهمم للشهادة والتضحية، أكثر من اعتماده على الخطاب السياسي العقلاني الذي يفكك الواقع، ويراعي موازين القوى، ويبحث عن المساحات الرمادية والمشتركات.

هيمنة «فقه المحنة»: نتيجة للصدامات المبكرة والدموية مع الأنظمة القومية والعسكرية في منتصف القرن العشرين (كما حدث في مصر في الخمسينيات والستينيات، وسوريا في الثمانينيات)، تولدت داخل هذه الحركات أدبيات تمجد التضحية المطلقة، وتربط بين «صحة المنهج» وبين «حجم الابتلاء والسجون»، وفي ظل هذه الثقافة، تراجع التفكير الاستراتيجي، الذي يبحث عن المخارج السياسية وتقليل الخسائر المادية، لصالح تفكير يرى في أي تنازل مرحلي خيانةً للعقيدة ولدماء الشهداء.

العزلة عن إدارة الدولة: بسبب الملاحقات الأمنية والإقصاء الممنهج، نشأت أجيال من أبناء الحركات الإسلامية بعيداً عن مؤسسات الدولة الظاهرة والعميقة ودهاليز الإدارة، هذا الإبعاد القسري أدى إلى فقر حقيقي في الخبرة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، فأصبح القرار الحركي يُتخذ داخل غرف تنظيمية مغلقة، ونصوص شرعية منبتة عن سياقها المآلي، دون إدراك لتعقيدات العلاقات الدولية، أو حجم الترابط بين المصالح الإقليمية، أو قدرة التنظيم الحقيقية على تحمل تبعات قراراته أمام آلة الدولة الجبارة.

ثورات الربيع العربي.. وغياب القراءة الاستراتيجية

شكلت ثورات الربيع العربي عام 2011 الاختبار الأكبر، وربما الأخطر، في التاريخ الحديث للحركات الإسلامية، فجأة، ولأول مرة منذ عقود من الإقصاء، انهارت الأنظمة البوليسية، ووجدت هذه الحركات نفسها في مركز الصدارة، وانفتحت أمامها أبواب السلطة والمجالس النيابية على مصاريعها، وهنا، وتحت أضواء السلطة، تجلى غياب فقه المآلات بأوضح صوره وأشدها قساوة.

في تجارب عدة، أبرزها التجربة المصرية، وبدلاً من قراءة المشهد قراءة استراتيجية متأنية تدرك هشاشة الوضع الانتقالي، وحجم التربص الإقليمي والدولي بأي تجربة ديمقراطية تفرز الإسلاميين، اندفعت الحركة نحو «المغالبة والاستحواذ»، لقد تم رفع شعار «مشاركة لا مغالبة» في البدايات، لكن تحت نشوة الانتصارات الانتخابية المتتالية، غاب فقه المآلات.

لم تسأل الحركة نفسها السؤال المآلي البسيط والعميق: ماذا سيحدث إذا سيطر الإسلاميون على الأغلبية البرلمانية، ثم زاحموا على رئاسة الجمهورية، وهيمنوا على اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور، في بلد ذي مؤسسات عسكرية وأمنية وقضائية واقتصادية عميقة الجذور، وتحيط به بيئة إقليمية ترفض التغيير الديمقراطي، وتعتبر الإسلام السياسي تهديداً وجودياً لها؟!

لقد كان غياب التدرج، وتجاهل تطمين الداخل (النخب العلمانية، الأقليات، ومؤسسات الدولة العميقة) والخارج (القوى الإقليمية والدولية)، خطأً استراتيجياً فادحاً أثبت افتقاراً للرؤية الاستشرافية، لو كان فقه المآلات حاضراً، ومرافقاً لوعي سياسي، وعقل استراتيجي؛ لأدركت القيادات أن تقديم تنازلات جوهرية، وتشكيل حكومات ائتلافية واسعة، والتنازل عن المواقع السيادية، لم يكن تكتيكاً مؤقتاً، بل كان ضرورة وجودية لعبور حقل الألغام في مراحل الانتقال الديمقراطي.

كان المآل الطبيعي لهذا الاستحواذ، هو استفزاز تحالف واسع النطاق من القوى المتضررة، انتهى بانقضاض عنيف عصف بالتجربة برمتها، وأعاد الحركة إلى وضع أسوأ بكثير مما كانت عليه لعقود خلت.

على النقيض من ذلك، تبرز محاولات أخرى، حاولت تدارك هذا الخلل وتفعيل فقه المآلات استشعاراً للخطر، كالتجربة التونسية، ففي تونس، أدركت حركة النهضة في أزمة صيف عام 2013 أن التمسك بالسلطة، رغم أحقيتها الديمقراطية بها، سيؤدي حتماً إلى الانزلاق نحو حرب أهلية، أو انقلاب عسكري، يعيد البلاد إلى مربع الدكتاتورية المظلم، كما حدث في دول الجوار، فاختارت الحركة، بناءً على قراءة مآلية بحتة، الانسحاب التكتيكي من الحكومة، وتنازلت لاحقاً في الدستور عن التنصيص على «الشريعة الإسلامية» كمصدر للتشريع، مكتفية بالفصل الأول الذي يصف تونس بدولة دينها الإسلام، في محاولة لإنقاذ المسار الديمقراطي، والحفاظ على السلم الأهلي، ورغم التعثرات اللاحقة والانتكاسات التي أصابت التجربة التونسية لاحقاً، إلا أن خطوة الانسحاب تلك كانت في حينه تطبيقاً عملياً بالغ الأهمية لقاعدة «درء المفسدة الكبرى باختيار المفسدة الصغرى».

كذلك في المغرب، انتهج حزب العدالة والتنمية مساراً بالغ البراغماتية، مبنياً على فقه مآلي يتجنب الصدام مع المؤسسة الملكية، واكتفى بإصلاحات متدرجة من داخل النظام القائم، ورغم ما تعرض له الحزب لاحقاً من استنزاف لشعبيته، بسبب تمرير قرارات صعبة، إلا أنه نجح في الحفاظ على بنيته التنظيمية، وتجنيب البلاد والعباد ويلات الصدام العنيف.

هذا الحديث يقودنا إلى حقيقة نؤكد من خلالها أن «فقه المآلات» هو مكون مهم من عناصر معادلة النجاح السياسي، التي تتشكل من عقل استراتيجي بعيد النظر، لا يعمل على ردات الفعل، ولا يقع في أسر اللحظة الراهنة، ووعي سياسي يتأمل كثيراً، يدرك التفاصيل الدقيقة، والمعطيات المختلفة، التي تشهدها الميادين المختلفة، فهذه هي المعادلة التي تشكل البيئة المناسبة لتفعيل فقه المآلات تفعيلاً مؤثراً، وهي البيئة المناسبة التي يؤتي فيها هذا الفقه ثماره، فإن استخدم خارج هذه البيئة كانت ثماره ضارة، كما هي أضرار إهماله وعدم توظيفه تماماً، ولهذا فشل من أهمله ولم يلجأ إليه كما في التجربة المصرية، ومن لجأ إليه كما في تجربتي تونس والمغرب، دون اكتمال عناصر المعادلة، وبالتالي عدم توفير البيئة المناسبة لنجاحه.

إدارة الصراع والمآلات الكارثية

لم يقتصر غياب فقه المآلات على محطات الوصول للسلطة، بل كانت تداعياته أكثر مشقة ودموية في أوقات الأزمات، وعند إدارة الصراع مع الأنظمة المستبدة، عندما تتعرض الحركات الإسلامية للإقصاء والمصادرة، غالباً ما تفقد توازنها الاستراتيجي، وتنزلق نحو فخ «المعادلات الصفرية»؛ أي خيار إما النصر الشامل أو الهزيمة الشاملة، وإما كل شيء أو لا شيء.

إذا عدنا بالذاكرة إلى الجزائر في بداية التسعينيات، نجد أن جبهة الإنقاذ الإسلامي، بعد إلغاء نتائج الانتخابات التي فازت بها، رفضت أي مساومات سياسية، وانزلقت أجنحة منها نحو العمل المسلح المفتوح، متجاهلة قراءة موازين القوى المادية والعسكرية لدولة تمتلك جيشاً نظامياً مدعوماً من الخارج، استندت القيادات الشابة آنذاك إلى «يقينيات النصر الإلهي» والخطاب الحماسي، دون الأخذ بالأسباب المادية، فكان المآل هو «العشرية السوداء»؛ مئات الآلاف من القتلى، وتدمير النسيج المجتمعي، واستئصال المشروع الإسلامي السياسي في الجزائر لعقود طويلة.

وهناك الكثير من الأمثلة التي لم تفعل فيها الحركات الإسلامية «فقه المآلات»، فكان ثمن ذلك باهظاً، دفعته حظراً ومصادرةً وسجوناً ومعتقلات ونفياً وتهجيراً.

إن فقه المآلات يوجب على القيادة السياسية والدعوية أن تضع حماية الأرواح، والحفاظ على البنية التحتية للتنظيم الدعوي والمجتمعي، كأولوية قصوى تسبق أي مكسب سياسي، إذا لاح في الأفق خطر الاستئصال التام، يصبح «الانسحاب التكتيكي» و«الانحناء للعاصفة» واجباً شرعياً وضرورة حركية، لكن الحركات الإسلامية، تحت ضغط شعارات «الشرعية» أو «الثبات على المبدأ»، غالباً ما عجزت عن اتخاذ قرار التراجع خطوة للوراء في الوقت المناسب، وخير مثال على ذلك التجمع الذي أقامه الإخوان في ميدان رابعة، تحت شعار المطالبة بالشرعية، الأمر الذي أسفر عن مآلات كارثية سببها العناد السياسي وبالتالي غياب فقه المآلات، وتجلت آثاره في ثلاثة محاور رئيسية:

  • الاستنزاف والتدمير الشامل: تدمير البنى التنظيمية، والزج بخيرة العقول والكوادر الشبابية في السجون أو تشريدهم في المنافي، مما يعني إفراغ الحركات والأوطان من طاقات إيجابية كان يمكن استثمارها في مسارات أخرى.
  • تراجع الرصيد المجتمعي والحاضنة الشعبية: طول أمد الصراع واستعصاء الحلول، وما يرافقه من انهيار اقتصادي واضطراب أمني، يدفع الحاضنة الشعبية -التي تبحث بطبيعتها عن الاستقرار المادي والأمني والمعيشي- إلى الانفضاض من حول المشروع الإسلامي، بل وأحياناً تحميله مسؤولية الدماء والخراب الذي حل بالبلاد.
  • تشوه الخطاب الديني والهوية: أدى الصدام السياسي العنيف إلى استدعاء فتاوى التكفير وتخوين المخالفين، وتبرير العنف من قبل بعض الأطراف، مما شوه نقاء الرسالة الإسلامية الجامعة، وأدى إلى نفور أجيال كاملة من الشباب من الدين نفسه. اليوم، تدفع مجتمعاتنا العربية والإسلامية ضريبة باهظة تتمثل في موجات إلحاد، أو لا مبالاة تامة، أو تطرف مضاد، لم يسبق لها مثيل في تاريخنا الحديث.

لماذا لم يُفعَّل فقه المآلات؟

إذا كان فقه المآلات يشكل طوق النجاة الوحيد للحركات الإسلامية، خاصة في ظل الدولة القطرية الراسخة، واختيار منهج السلمية في الإصلاح، وليس منهج التغيير بالقوة، فلماذا تعجز القيادات والنخب عن تفعيله وقت الأزمات الكبرى؟ لفهم هذا الاستعصاء، يجب تفكيك بنية العمل الداخلي والبيئة التنظيمية لهذه الحركات:

أولاً: الحاضنة الشعبية والعاطفة الشبابية. تعاني قيادات الحركات الإسلامية من ضغط هائل تمارسه القواعد التنظيمية الشبابية المتحمسة، هذه القواعد، التي تمت تعبئتها لعقود بخطاب عاطفي، ومثاليات مطلقة، ويقينيات لا تقبل الشك، لا تستوعب بسهولة المناورات السياسية أو التنازلات التكتيكية، وأي قائد يحاول تقديم مقاربة مآلية مبنية على تقديم تنازلات مؤلمة للخصوم، يواجه فوراً باتهامات التخوين، و«التمييع»، و«التفريط في دماء الشهداء وثوابت الدين»، هذا الخوف من انشقاق الصف الداخلي أو فقدان الشعبية، يجعل القيادات تنجر وراء «الشعبوية التنظيمية» بدلاً من مصارحة الجماهير بالحقيقة المرة.

ثانياً: غياب المؤسسية الاستشارية والعلمية. في أغلب الحركات الإسلامية، يتركز صنع القرار في يد مجموعة ضيقة من «القيادات المنتخبة والتاريخية» التي تستمد شرعيتها من «السبق في الدعوة والابتلاء في السجون»، وليس بالضرورة من «الكفاءة السياسية والاستراتيجية»، وغالباً ما تخلو دوائر صنع القرار العليا من مراكز الدراسات الحقيقية، وعلماء الاجتماع، وخبراء العلاقات الدولية، وعلماء المقاصد الحقيقيين، الذين يمتلكون أدوات تفكيك الواقع، واستشراف المستقبل، بمعزل عن العاطفة الدينية الجياشة.

ثالثاً: الانغلاق وضعف الاندماج. فترات العمل السري والملاحقات الأمنية الطويلة جعلت تنظيمات الإسلام السياسي حركات «مغلقة» على نفسها، تتزاوج وتعمل وتفكر داخل أطرها التنظيمية الخاصة، هذا الانغلاق أضعف تفاعلها الصحي مع بقية مكونات المجتمع (العلمانية، الليبرالية، اليسارية، والأقليات)، مما أورثها فهماً قاصراً لتعقيدات المجتمع وتنوعه، وجعل توقعاتها لمآلات الأمور وردية وسطحية وغير مطابقة للواقع.

الخاتمة.. نحو عقل استراتيجي مقاصدي جديد

في الختام، يتبين لنا بوضوح أن الغياب النسبي، وفي أحيان كثيرة الغياب المطلق، لـ«فقه المآلات» في اجتهادات وقرارات الحركات الإسلامية المعاصرة، لم يكن مجرد خطأ عابر في التقدير، بل كان عيباً بنيوياً وتكوينياً أصيلاً في طريقة التفكير والتربية، هذا العيب كلف هذه الحركات، وكلف المشروع الإسلامي الحضاري، بل وكلف الأوطان، أثماناً باهظة جداً في الأرواح والمقدرات والرصيد المجتمعي.

لقد أثبتت التجارب المتراكمة والمؤلمة، من الجزائر إلى سوريا، ومن مصر إلى اليمن، أن إخلاص النوايا، وصدق السريرة، والتضحيات الجسام بحد ذاتها، لا تكفي أبداً لصناعة النصر أو بناء الدولة الحديثة، ما لم تكن مقترنة بوعي سياسي، وعقل استراتيجي يزن الأمور بمقاييس المصالح والمفاسد، ويقرأ خواتيم الأفعال قبل الإقدام على بداياتها.

إن المستقبل المليء بالمتغيرات يفرض على ما تبقى من هذه الحركات تحديات وجودية لا تقبل التأجيل، وإذا أرادت الحركات الإسلامية أن تتجاوز حالة العقم السياسي، والمحنة الدورية الدائمة التي وضعت نفسها فيها، فليس أمامها سوى إحداث «ثورة فكرية وتنظيمية» حقيقية؛ ثورة تنتقل بها من أسر «فقه النصوص الظاهرية والخطاب الوعظي» إلى رحابة «فقه المقاصد والمآلات»، ومن «عقلية الجماعة الدعوية المغلقة والمظلومة» إلى «عقلية الكيان السياسي المرن والمنفتح».

والعمل على مأسسة التفكير الاستراتيجي، ودمجه قسراً في آليات صنع القرار، وتحرير القيادة السياسية من ابتزاز العاطفة الجماهيرية الغاضبة، والعمل على إعادة بناء المناهج التربوية لتخريج أجيال تفهم السياسة على أنها «ترتيب الأولويات» و«إدارة التوازنات»، وتدرك يقيناً أن الانسحاب التكتيكي، أو التنازل السياسي للحفاظ على الأرواح، ليس هزيمة للمبدأ أو خيانة للدين، بل هو في صميم السياسة الشرعية وحماية للدين من الاستئصال.

ما لم تتحقق هذه المراجعات العميقة والشجاعة، وما لم يتم تجديد الدماء في شرايين القيادات، فإن استمرار العمل بنفس الأدوات القديمة، والخطاب العاطفي ذاته، لن ينتج سوى إعادة تدوير للفشل، وتقديم مزيد من الضحايا المخلصين على مقصلة التنظير المثالي، الذي تسحقه دائماً وأبداً.. قسوة الواقع.

د. عبدالله فرج الله د. عبدالله فرج الله أكاديمي وكاتب، رئيس تحرير منصة «قلم رصاص». له إسهامات تحليلية واسعة في كبريات المنابر الإعلامية العربية، تتمحور حول الفكر والتراث وقضايا الوعي العربي والإسلامي.

اقرأ أيضاً في سياسة وتحولات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *