تخطَّ إلى المحتوى
الأحد، 1 تشرين الثاني 2026 «قلم رصاص».. لأن المعرفة الحقيقية لا تُكتب على عجل
مجتمع وهوية · مقال

بشرية ممسوخة!!

أجسادٌ تتحرك وقد فقدت روحها. تأمل في الشارع المعاصر وما فعلته الشاشات والغرائز المنفلتة بملامح الإنسان.

بشرية ممسوخة!!

المشهد يبعث على الرعب، ويزرع في النفس القلق والاضطراب، حين تسير في شوارع المدن الحديثة المكتظة، وتتأمل في وجوه المارة لتجد نفسك أمام حقيقة مفزعة: نحن نعيش بين أجساد تتحرك، لكنها فقدت روحها.

لقد تحولت شوارعنا إلى مسارح مفتوحة لعرض مأساة «المسخ البشري»، حيث تلاشت معالم الإنسانية، وحلت محلها كآبة طاغية، واختلطت في الملامح مشاعر الحزن والألم، والقلق والانشغال الدائم بما لا طائل منه.

في زحمة الطرقات، ترى عقولاً قد ذُهلت، وعيوناً سُمّرت في شاشات الهواتف التي اختطفت انتباههم عن حقيقة واقعهم، وما ينتظر خطواتهم. لقد تحول الناس إلى كائنات آلية تسير بلا هدى، تكاثرت بينهم حوادث الاصطدام، سواء بين المشاة أنفسهم أو بين راكبي السيارات، لا لشيء إلا لأن العقل غائب، والحواس معطلة، والانتباه مسلوب في عوالم افتراضية وهمية.

حين تنظر يمنة ويسرة، متأملاً أحوال الناس، يأسرك شعور بأن الوضع شبه ميئوس منه. لا ترى سوى اليأس والبؤس قد فرضا سيطرتهما على الجميع. عيون زائغة غير مستقرة، ونفوس مرهقة حتى النخاع، وأجساد إما ناحلة من فرط التعب أو مرتخية من فرط اللامبالاة.

لقد مسخ البشر وتغيرت معالمهم؛ فلا تكاد تلمح وجهاً يبعث فيك معاني الأمن والطمأنينة. الأسوأ من ذلك، أن هذه النفوس المحتقنة باتت كالقنابل الموقوتة؛ فأقل خطأ غير مقصود يصدر من أحدهم، يكفي لإشعال معركة ضارية قد يكون ثمنها باهظاً، تُزهق فيها الأرواح وتُسفك فيها الدماء لأتفه الأسباب.

لم يقف المسخ عند حدود الأخلاق والتعاملات، بل امتد ليضرب الفطرة والحياء في مقتل. ففي الشارع العام، ترى مشاهد تندى لها الجبين؛ أجساد عارية أو شبه عارية، وأحضان وقبلات تُتبادل علانية، وكأن شوارع المدن ومرافقها العامة قد تحولت إلى غرف نوم خاصة، نُزعت فيها ثياب الحشمة، ومارس فيها العشاق مجونهم بلا رقيب أو رادع.

وإلى جانب هذا الانفلات، تجد أغلبية قد جعلت من أجسادها شغلها الشاغل، تسعى لتغيير ما منحهم الله إياه، وتبديل خلق الله وتشويه طبيعته، ليخرجوا لنا بأشكال منسوخة تسلخهم عن بشريتهم وتحولهم إلى مسوخ بلا هوية… في الشارع العام صخب وتعب، إرهاق وتوتر، خوف وازدحام، تحرش وصراخ… غضب أعمى يعصف بالجميع، وكأننا في دوامة لا قرار لها.

ولا يقل أمر هذا المسخ سوءاً حين تفر من الشارع إلى شاشتك، تطالع المواقع وتقرأ أخبار المجتمعات. هناك، تنهش الأخبار ما تبقى من بشريتك وتتركك تتساءل في ذهول: هل هذا يحدث حقاً؟ ما هذا الدرك السحيق الذي وصلنا إليه؟

أخبار لا تتوقف عن القتل، والهتك، والاعتداء، والسلب، والتحرش، والسكر، والعربدة. في هذا المستنقع، تدرك أن العقل البشري قد أُحيل إلى إجازة مفتوحة وإجبارية، لتترك الساحة تماماً لغرائز بهيمية وانفعالات مدمرة.

لقد بات الحضور الأقوى والمسيطر للشهوة، والطمع، والجشع، والنهم، والغضب، والحسد، والحقد، والكراهية، والبغضاء، وذلك بعد أن خضع الإنسان -بمحض إرادته- لسطوة شهواته، وسلطان أهوائه ورغباته، ووضع في يديه قيداً كبل إرادته، وغيب عقله، وأطلق العنان لحريته الموهومة.

حدث ذلك كله في غمرة محاولاته التمرد على ما بات يراه من «عبودية الأسرة» التي يعتبرها قيداً لحريته؛ وهي رؤية مشوهة جعلت من الأب في نظره سجاناً، ومن الدين سجناً، ومن الأخلاق والقيم والعادات معيقات تمنعه من أن يعيش حياته بحرية لا حدود لها، حيث لا أحد يحاسبه، أو يقف في طريق انحرافه المنفلت.

إننا نقف اليوم شهوداً على عصر تتراجع فيه الإنسانية لصالح مادية وحشية وغرائز منفلتة، ضمن خطة عالمية، تقبع خلفها قوى خفية وعلنية، برعاية دولية، على رأسها ما يدعى بالعالم الديمقراطي المتحضر، من خلال عولمة كل أنواع الرذيلة، تحت ذريعة حماية الحريات والحقوق، حريات الشواذ، الحريات الجنسية، حريات الأطفال وحقوقهم، وحريات النساء وحقوقهن، التي تصب في النهاية في وضع حد قاتل للأسرة ودورها في المسؤولية والتربية.

إن هذه «البشرية الممسوخة» تحتاج اليوم إلى هزة عنيفة توقظ ضميرها، وتعيد للعقل سيادته، وللروح نقاءها، وللفطرة السليمة مكانتها، قبل أن نغرق جميعاً في طوفان من العدمية والانهيار التام، وليس لها إلا أن يشمر أهل الصلاح والإصلاح، وذوو العقل والحكمة من كل الأمم للوقوف أمام هذا التيار المنحرف الجارف، لإنقاذ البشرية من مخطط المسخ هذا!!

د. عبدالله فرج الله د. عبدالله فرج الله أكاديمي وكاتب، رئيس تحرير منصة «قلم رصاص». له إسهامات تحليلية واسعة في كبريات المنابر الإعلامية العربية، تتمحور حول الفكر والتراث وقضايا الوعي العربي والإسلامي.

اقرأ أيضاً في مجتمع وهوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *