تخطَّ إلى المحتوى
الأحد، 1 تشرين الثاني 2026 «قلم رصاص».. لأن المعرفة الحقيقية لا تُكتب على عجل
فكر ومفاهيم · مقال

الظن الذي أهلك أهله!!

لم ينقص الإمبراطوريات الساقطة مالٌ ولا عتاد، بل ظنٌّ واحد: أنهم قادرون. قراءة في السنّة الإلهية التي تباغت الطغاة في ذروة غرورهم.

الظن الذي أهلك أهله!!

على امتداد التاريخ البشري، سقطت إمبراطوريات، وتهاوت عروش، واندثرت حضارات، وأفلت شموسها، وغاب ذكرها، وأصبحت أثراً بعد عين، لم يكن ينقصها المال ولا العتاد، بل لعلها كانت حسب ظنها في أعلى درجات أمنها واستقرارها.

والتاريخ بمداه القريب والبعيد، يجسد لنا الكثير من الحكايات والقصص، التي تؤكد هاتيك النهايات المفاجئة والمباغتة، التي داهمت أهل هذه الظن دولاً كانوا أو أفراداً.

وحين نقلب صفحات نهاياتهم، نجد أن قاسماً مشتركاً واحداً، كان يقف خلف هذا السقوط المريع؛ إنه «الظن».. لكن ليس أي ظن، إنه ظن أهل الدنيا حين تغرهم الحياة بزخرفها، وتعمي بصائرهم عن حقيقة ضعفهم البشري أمام قدرة الخالق، إنه الوهم الذي يتضخم في نفوسهم، حتى يصور لهم أنهم أمسكوا بزمام السماوات والأرض.

يتخذ هذا الظن أشكالاً متعددة، تتدرج مع الإنسان، كلما زاد تمكنه في الأرض، حتى يصل به إلى ذروة الطغيان، ومما يقوي وهم الظن عند الأنظمة والدول والناس:

القوة العسكرية

امتلاك القوة العسكرية والأمنية: من أعظم ما يقوي هذا الظن، ويورث الغرور، والبغي والطغيان، وسيادة منطق حق القوة، ويغيب منطق قوة الحق.

نعم، حين تضخمت جيوشهم الجرارة، وتعددت أجهزتهم الأمنية، التي سخروها لحماية عروشهم، ظنوا أنهم في حصن مانع.

فتنافسوا في ابتكار الأسلحة الفتاكة، الظاهرة والخفية، قريبة المدى وبعيدة الأثر، وامتلكوا أسلحة الدمار الشامل، فظنوا أن الموت يخضع لإرادتهم، وأنهم قادرون على إبادة من يشاؤون، واستبقاء من يشاؤون.

الغطرسة

غطرسة الأنظمة وسجون القمع: ظن الغطرسة يؤسس للظلم ومصادرة الحقوق والحريات، ويعمل على تشريع الظلم: بسن القوانين الجائرة التي تحصن فسادهم، وتقمع كل من يبحث عن حقه أو ينشد حريته. وكتم الأنفاس: بتشييد السجون وإقامة المعتقلات المظلمة؛ لترهيب كل من يجرؤ على رفع رأسه أو تحريك لسانه بنقد سلوكهم، ظناً منهم أن تكميم الأفواه يطيل أعمار الدول.

ومما يعين على نمو هذا الظن امتلاك التقنيات التكنولوجية، ووهم الإحاطة: الذي يشعرهم أنهم بهذا قد امتلكوا الفضاء: حين ملكوا زمام التقنية الحديثة، والإنترنت، ووسائل التواصل التي طوت المسافات وقلصت الأزمان، تسلل إليهم ظن خفي بأنهم أصبحوا محيطين بكل شاردة وواردة، وأن لا شيء يعزب عن رقابتهم، فاعتقدوا أن هذه الشاشات والبيانات تمنحهم السيطرة المطلقة على عقول البشر وقلوبهم.

وهكذا فإن هذا الظن يبقى في الدول والناس حتى يوقعهم في حفرة جحود النعم وطغيان الرخاء والكفر بالمنعم: حين أقبلت عليهم الدنيا بخيراتها، واطمأنت جنوبهم بما ملكت أيمانهم من متاع، كفروا النعمة ونسوا شكر المنعم.

وبغوا في حكمهم واستضعاف الناس من حولهم: غرتهم قوتهم، فزاد بطشهم ولم يسلم من أذاهم فقير ولا ضعيف، سواء كان فرداً مغلوباً على أمره، أو بلداً مستنزف الثروات.

اللحظة الفاصلة.. حين يتبدد الوهم

كل هذه العوامل التي تقوي هذا الظن المهلك، من القوة العسكرية، والسيطرة التكنولوجية، والقبضة الأمنية، والثراء الفاحش، تخلق حالة من «السكر الدنيوي»، ويا له من سكر، تتضاءل أمامه كل المسكرات التي عرفها البشر، في هذه اللحظة بالذات، يبلغ الظن منتهاه، ويتبادر إلى أذهانهم أنهم ملكوا زمام الكون، وأن أمورهم قد استقرت للأبد، وأنهم قادرون على الأرض وما عليها.

هنا، وفي قمة هذا الغرور الذي أبطرهم وأرداهم، تتدخل السنن الإلهية التي لا تحابي أحداً، يأتي الأمر الإلهي بغتة، ليمحو كل هذا الزخرف في طرفة عين، وليثبت لهم أن كل ما بنوه كان أوهن من بيت العنكبوت.

القرآن الكريم قص علينا بعض أخبار هذه اللحظات الحاسمة، للذين وقعوا في مصيدة هذا الظن المهلك، فراحوا في غيبوبة من السكر الدنيوي، الذي أوردهم موارد الهلاك، بعد أن تملكهم طغيان الحكم والقوة، فبغوا وظلموا.

فرعون: طغيان السلطة

ويأتي على رأس هؤلاء فرعون، كرمز لطغيان الملك والاستبداد في الحكم، والذي ادعى الألوهية: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين).

قارون: طغيان المال

وحكاية قارون كنموذج لأباطرة المال والثراء الفاحش: (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين، قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون)

ثم يأتي التأكيد على هذه السنة الربانية الثابتة، (كم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون).

الكلمة الحاسمة

إن أبلغ ما يلخص هذه الحالة الإنسانية المليئة بالغرور والنهاية المأساوية، هو الوصف القرآني البديع والمعجز، الذي صوّر الدنيا كمسرحية مزخرفة، تنتهي فجأة حين يظن أبطالها أنهم مخرجوها.

يقول الحق تبارك وتعالى، واصفاً هذا الظن الذي أهلك أهله: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

هي رسالة دائمة، وآية مفصلة لقوم يتفكرون؛ أن القوة لله جميعاً، وأن كل ظنٍ يستبعد قدرة الله، هو في حقيقته فخٌ، وهو الظن الذي يهلك أهله.

د. عبدالله فرج الله د. عبدالله فرج الله أكاديمي وكاتب، رئيس تحرير منصة «قلم رصاص». له إسهامات تحليلية واسعة في كبريات المنابر الإعلامية العربية، تتمحور حول الفكر والتراث وقضايا الوعي العربي والإسلامي.

اقرأ أيضاً في فكر ومفاهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *