تخطَّ إلى المحتوى
الإثنين، 2 تشرين الثاني 2026 «قلم رصاص».. لأن المعرفة الحقيقية لا تُكتب على عجل
فكر ومفاهيم · مقال

الاستشارة في اتخاذ القرار!

القرار هو امتحان القيادة الأصعب. وخلافاً لما يُظن، الاستشارة ليست علامة ضعف في طالبها، بل ميدان الأقوياء وحدهم: من استشرت، لا كم استشرت.

الاستشارة في اتخاذ القرار!

القرار

إن القرار يحتل المرتبة الأولى في عمل القائد، ولأهميته كان اتخاذه من أصعب المهمات التي يقوم بها القائد، فالقيادة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقراراتها، التي قد تمد في بقائها، أو ربما يحدث بسببها العكس، بمعنى أن قراراتها قد تعجل برحيلها.. فليس غريباً إذا قلنا: إن القيادة هي صنع القرار.. وعلى هذا فإن القرار هو امتحان القيادة الأصعب..

اتخاذ القرار

صناعة تستحق الدراسة، والوقوف على أسرارها، وإتقان فنونها، بل إنها صناعة ترقى إلى درجة المهارة النادرة، التي يعجز على بابها الكثيرون..

فاتخاذه مسؤولية كبرى، ومحطة عظمى، خاصة في القضايا التي تشكل مفاصل مهمة في حياة المرء.. وتحتل فيه مكانة مرموقة..

معينات اتخاذ القرار

لصعوبة عملية اتخاذ القرار، وخطورة ما يترتب عليها، فقد اتفق على مجموعة من الأسباب التي تصب في تصويب القرار، وتعين على سلامته.. منها:

الدراسة التي تتيح الإحاطة بالأمر، وبالتالي تحديد المشكلة وصفاً وحجماً وخطورة، ومن ثم وضع البدائل لحلها.. وبعد ذلك الاختيار ترجيحاً للأقرب، وحذفاً وإهمالاً للأبعد في التقدير..

ومنها الاستشارة: وهي عبارة عن شراكة حقيقية للمجموعة المعنية في اتخاذ القرار وتنفيذه أو حتى المتأثرة به.. ولنا معها وقفة خاصة لاحقاً.. لكن من المناسب التأكيد هنا على أن الاستشارة ليست قراراً في حد ذاتها، بل هي وسيلة وسبب يصب في خدمة القرار قبولاً، ونجاحاً وتنفيذاً..

ومنها الإعداد، وذلك بإدخال القرار حيز التنفيذ.. ومنها الإقناع والتوضيح: بشرح مسوغات اتخاذ القرار أولاً، وبيان الفوائد المترتبة على اتخاذه ثانياً.. ومنها المتابعة والمراقبة، التي تؤكد على سلامة تطبيق القرار، وتضمن نجاحه، وتراجعه في محطاته المختلفة..

الناس في ميادين اتخاذ القرار

في اتخاذ القرار ينقسم الناس إلى أقسام شتى:

فمنهم المتسرع المتصف بقلة صبره، ومخاطرته.. ومنهم المتردد الذي يضيع الوقت، فيشيع الفوضى والإرباك.. ومنهم العاطفي، الذي يسهل التغرير به وخداعه.. ومنهم المسوف، الذي لا يغتنم الوقت في اتساعه، فيتعجل في آخره.. ومنهم المشكك: لعدم ثقته بالآخرين، وبالتالي تكثر أسئلته، فهذا يؤكد، وذاك ينفي، فيعيش في دوامة لها بداية ومن الصعب أن يجد لها نهاية.. ومنهم السلبي (الخائف)، الذي يخشى اتخاذ أي قرار، هروباً من تحمل المسؤولية، وخوفاً من العواقب..

ومنهم الشوري، الذي لا يتخذ قراره إلا بعد استشارة يجريها مع ذوي المعرفة والخبرة والاختصاص، أو مع ذوي الأمر، المعنيين به تنفيذاً، والمتأثرين به تطبيقاً.. وهو بهذا يشعر الآخرين بأهميتهم، وأن القرار قرارهم..

الاستشارة

إحدى أهم معينات الصواب في اتخاذ القرار، التي تعمل على تقويته وتمكينه، كما أنها تُعدُّ النافذة التي من خلالها بإمكانك أن تطل على عقول الآخرين وأفكارهم، أو تسمح للآخرين منها مشاركتك بآرائك وأفكارك، وبالتالي تصويبها وتوجيهها، وتلافي نقصها، وسد ما فيها من ثغرات.. فهي البيئة المناسبة التي تتيح الفرصة الحقيقية لتلاقي الأفكار، وتلاقح الآراء..

كما أنها باب لعقد شراكة حقيقية تضامنية في اتخاذ القرار، وهذه الشراكة من شأنها أن تعمل على توسيع دائرة الاتفاق، وتقليل مساحة الاختلاف.. والتقريب من الصواب، والابتعاد عن الخطأ، ورفع الحماسة للتنفيذ، كما أنها تقلل من عبء تحمل ما يترتب على اتخاذ القرار من مسؤوليات مادية ومعنوية.. بتوزيعها على المجموع. «ومن شاور الرجال -كما قالوا- شاركهم في عقولهم».

الاستشارة ميدان الأقوياء

ليس صحيحاً ما يذهب إليه البعض في أن الاستشارة في العادة تكون علامة ضعف في طالبها، بدليل أننا حين ندخل ميدانها، بحثاً عن فرسانها، نجد الأنبياء والرسل والحكماء والعقلاء من كل أمة، هم من تربعوا على مقاعدها، وأخذوا منها بحظ وافر، هذا من جانب، ومن جانب آخر أننا إذا نظرنا في الموانع التي تمنع من الاستشارة، أو في صفات من يرفضها، والتي تصب في خانة الذم والقدح، نفرت منها النفوس السوية، والعقول الناضجة، ومن هذه الصفات التي تشكل مانعاً لطلب الاستشارة:

تقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة، وضعف الثقة بالناس ومن حوله استهتاراً واستخفافاً، إذ لا يقيم لأحد منهم وزناً، يستحق به الاستشارة.. مع شدة إعجابه بنفسه، وتمسكه برأيه، وتمكن حب السيطرة عليه.. فإعجاب المرء بنفسه يحرمه من رؤية الناس على حقيقتهم، فالغرور يصمُّه ويعميه، ويضعه في دائرة الإدارة الفرعونية (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).

بالإضافة لاعتقاده أن الاستشارة ضعف في الرأي وعدم قدرة على اتخاذ القرار.. ومنها أيضاً التساهل والتسويف والإهمال..

نلاحظ من خلال هذه الصفات، أن الاستشارة قوة، يلجأ إليها الأقوياء فقط، الذين خلصوا من سيطرة نفوسهم، وانتصروا على أهوائهم، وغلبوا المصلحة العامة على الخاصة، وازداد حرصهم على إحياء روح الجماعة من خلال المشاركة والتفاعل..

وحين يتسنى لنا النظر في سيرة الذين انتهجوا الاستشارة في حياتهم القيادية، نجد صفات تطمح إليها النفوس الناجحة، والقيادات الواعدة..

فالاستشارة قوة كبيرة بما تحمله من فوائد جمة، وبما تحققه من نجاحات محتمة، وبما تؤكده من صواب في ميادينها..

فوائد الاستشارة

فوائد الاستشارة كثيرة ومتعددة، نقطف هنا بعض ثمارها، ونشير إلى أهمها:

  • تؤدي إلى وحدة القلوب، وتوحيد الصفوف، وقوة الموقف، وصلابة الكلمة.
  • تسد منافذ الشر، وتغلق أبواب الجدل والمراء، وتحارب تجار القيل والقال.
  • تكتشف العقول وتدرب المستشير والمستشار على التأمل وحسن التفكير.
  • تتيح فرصة الاطلاع على آراء مختلفة ومواقف متعددة، من خلال مشاركة الناس في عقولهم.
  • تضيق الفجوة بين المشاركة الجماعية والفردية الدكتاتورية، لصالح الأولى.
  • تفسح المجال واسعاً للتعاون والمشاركة في تحمل المسؤولية، وتنفيذ القرار.
  • تخترق جبهة المعارضة، وتفرق جمعهم، وتقلل من خطرهم.
  • تيسر سبل نجاح القرار بعد اتخاذه، من حيث التنفيذ والالتزام، ومرحلة ما بعد اتخاذ القرار لا تقل صعوبة عن اتخاذه، بل هي الأشد صعوبة.
  • تتيح الفرصة لذوي الرأي والخبرة لإبداء آرائهم والمشاركة الحقيقية في اتخاذ القرار، الأمر الذي يعني تمتين جبهة القرار وتقويتها.
  • تهيئ أسباب الاطلاع على الظروف البيئية والاجتماعية والسياسية وغيرها المتعلقة باتخاذ القرار.
  • تساعد على التروي والتمهل في اتخاذ القرار، الأمر الذي يزيد من قوته ويصب في صوابه، لأن المتعجل لا رأي له، كما هو شأن الغاضب.

الاستشارة.. من استشرت لا كم استشرت

ختاماً، نؤكد أن الاستشارة بأركانها الثلاثة: المستشير (طالب الاستشارة)، والمستشار (المطلوب رأيه)، والمستشار فيه (موضوع الاستشارة).. ذات أهمية كبيرة، وعلى جانب عظيم من الخطورة، ولهذا فإن لكل من هذه الأركان شروطه ومعالمه، التي ترقى به لمستوى الاستشارة وأهميتها، ولعل الركن الثاني من أهم هذه الأركان، لأنه مصدر الاستشارة، والمقصود إليه، المطلوب فيها رأيه.. وقد تشدد القوم في شروطه، وبيان خصائصه، ولا بد من البصيرة في اختياره، حتى لا يكون عامل هدم بجهله، أو عامل تثبيط بجبنه وخوفه، أو عامل انكسار بحماسته وتعجله.. ولا اعتبار في الاستشارة عند ذويها لعدد المستشارين، بل الاعتبار عندهم لنوعية المستشارين وكفاءتهم.. فقد يقوم مستشار واحد مقام جيش من المستشارين، فمن هنا قالوا: الاستشارة من استشرت لا كم استشرت!!

د. عبدالله فرج الله د. عبدالله فرج الله أكاديمي وكاتب، رئيس تحرير منصة «قلم رصاص». له إسهامات تحليلية واسعة في كبريات المنابر الإعلامية العربية، تتمحور حول الفكر والتراث وقضايا الوعي العربي والإسلامي.

اقرأ أيضاً في فكر ومفاهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *