السردية الوطنية بين أمجاد الماضي وتحديات الواقع: هل تغني الذكريات عن العيش الكريم؟!
مئة محاضرة وألف ندوة عن أمجاد الوطن، لا تطعم جائعاً ولا تكسو عارياً. متى يصبح التاريخ منصة انطلاق بدل أن يكون خيمة نختبئ فيها من الحاضر؟

الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية نعيش عليها، بل هو كيان يسكن فينا قبل أن نسكن فيه، تتشابك فيه جذورنا، وتنسج من ترابه حكاياتنا، وتتجسد في سمائه أحلامنا، ومن هنا، فإنه لمن الجميل حقاً، أن تستوقفنا السردية التاريخية لأوطاننا، جميل أن نستذكر تاريخها القريب والبعيد، أن نقلّب صفحات المجد المشرقة، ونستلهم من ملامحها الجغرافية والحضارية ما يبعث في النفوس العزة والأنفة، من الرائع أن نتوقف طويلاً عند معالمها ومناراتها، وندون بمداد من الفخر دورها الحضاري والتاريخي في ميادين الإنسانية المتعددة، مؤكدين على أدوارها في النهضة الإنسانية، وما كان لها من بصمات عميقة وآثار لا تمحى في سجلات البشرية.
إنه لمن دواعي الفخر والاعتزاز أن نستذكر ما قيل في أوطاننا من آيات كريمة وأحاديث شريفة، أضفت عليها قدسية وطهارة، وكيف تغنى بها الشعراء والأدباء على مر العصور، فصاغوا من حبها معلقات وقصائد لا تزال ترددها الأجيال، نعم، جميل أن نستحضر ماذا شهدته أرضها وسماؤها من مواقع وأحداث جسام غيّرت مجرى التاريخ، ومن مرّوا على ثراها من الأنبياء والصالحين والفلاسفة والعلماء، وشاهدوا نجوم سمائها فتأملوا وأبدعوا، والأجمل من ذلك كله، أن نستذكر بإجلال من استشهد على أرضها، ودماء العظماء والأبطال التي ارتوى بها ثراها الطهور، وأجساد الفاتحين العظماء التي ضمتها بين حناياها، كل هذا من الروائع الجميلة، التي لها وقع ساحر في النفوس، وقع يبعث على الاعتزاز والفخر والانتماء العميق للوطن وأمجاده ومآثره.
لكن، وفي خضم هذه النشوة التاريخية، وهذا الاستغراق في تمجيد الماضي، يبرز سؤال جوهري وموجع يفرض نفسه بقوة على ساحة الوعي: ماذا يمكن أن يغني كل هذا السرد التاريخي والاحتفاء بالماضي عن الواقع المرير الذي يعيشه مواطنو هذه الأوطان اليوم؟ ماذا يغير استحضار الأمجاد من واقعهم المعاش الذي يطحنهم في رحاه كل يوم؟!
لو أقمنا مائة محاضرة، ونظمنا مائة احتفالية، وعقدنا ألف ندوة، ونشرنا عشرات الآلاف من المقالات والكتب والمنشورات الملونة، وأسسنا المئات من المواقع والمنصات الرقمية التي تبث بشكل مستمر معالم سرديتنا الوطنية، وتتغنى ببطولات الأجداد.. ماذا يمكن أن تقدم كل هذه الجهود للمواطن الذي يرزح تحت وطأة الحاجة وعوز السؤال؟ ماذا تفعل للرجل الذي يتصبب عرقاً خجلاً من أبنائه لأنه لا يملك ما يسد احتياجاتهم؟ وماذا تقدم لمن يطحنه الفقر، وتكبله الديون التي تسرق نومه، وتحاصره الهموم من كل حدب وصوب؟ كيف تقنع مواطناً يعاني من سوء الخدمات وضآلتها، ومن غلاء المعيشة الفاحش، وارتفاع الأسعار الجنوني، والضرائب التي لا ترحم، ولا تبقي ولا تذر، بأن يكتفي بالتغني بتاريخ وطنه، بينما حاضره عبارة عن صراع يومي من أجل البقاء؟!
إن السردية الوطنية، مهما بلغت من البلاغة والجمال، لا تطعم جائعاً، ولا تكسو عارياً، ولا تداوي مريضاً لا يجد سريراً في مستشفى، ولا تبني مستقبلاً لشاب تقطعت به السبل.
وعلى الصعيد الوطني الأشمل، ماذا تقدم هذه السردية لوطن يرزح تحت وطأة المديونية المرهقة التي تكبل قراره، وتهدد سيادته ومستقبل أجياله؟ ماذا تفعل أمام التضخم الاقتصادي القاتل الذي يبتلع الطبقة الوسطى ويسحق الطبقة الفقيرة؟ وماذا عساها أن تفعل أمام غول البطالة الذي يلتهم كفاءات الشباب وطاقاتهم، ويحول أحلامهم وطموحاتهم إلى كوابيس من الإحباط والضياع، مما يدفع بعضهم إلى قوارب الموت بحثاً عن وطن بديل أو براثن التطرف؟ وكيف تواجه هذه السردية الجريمة التي باتت تنتشر في مجتمعاتنا نتيجة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية وغياب الأفق؟!
والطامة الكبرى، ماذا يمكن أن تفعل السردية التاريخية بالفساد بكل أشكاله وألوانه، والذي بات يلتهم أخضر البلاد والعباد ويابسهم؟ هذا الفساد الذي لم يعد مجرد حالات فردية، بل بات يتغول على كل شيء، وينتشر في كل زاوية، ويقطع أوصال الوطنية بظهوره ووقاحته، الفساد الذي يسرق مقدرات الأمة، ويفرغ القوانين من محتواها، ويجعل من المحسوبية والشللية بديلاً عن الكفاءة والنزاهة، إن الفساد هو العدو الأول لأي سردية وطنية؛ لأنه يكذبها في الواقع، ويحولها في نظر المواطن المقهور إلى مجرد شعارات جوفاء، لا تسمن ولا تغني من جوع.
نعم، عن أي سردية تتحدثون والواقع مؤلم وغير مبشر؟ مهما حاولتم تزيين هذا الواقع، وترقيعه، وتجميله بالمساحيق الإعلامية والخطابات الرنانة، واللقاءات الحاشدة، فإن الحقيقة لا تخفى على ذي عينين، المواطن البسيط يرى الحقيقة في فاتورة الكهرباء، والماء، في أسعار الأدوية، وفي عيون أبنائه العاطلين عن العمل.
أتهربون من واقع الوطن المؤلم إلى التاريخ؟ هل أصبح الماضي ملجأً وملاذاً نفرّ إليه هرباً من فشلنا في صناعة الحاضر؟ وهل الهروب إلى الوراء يحل مشكلاتنا، وينهي أزماتنا، ويحد من مصائبنا؟ إن الأمم الحية لا تستخدم تاريخها كمخدر للهروب من واقعها، بل تستخدمه كدافع وحافز لتجاوز كبواتها، التاريخ يجب أن يكون منصة انطلاق للمستقبل، لا خيمة نختبئ داخلها، لنبكي على أطلال أمجاد غابرة، إن من يهرب إلى الماضي هو عاجز عن مواجهة تحديات الحاضر، ومن يكتفي بالحديث عن أجداده العظماء، يثبت أنه لم يورث أبناءه سوى الكلام.
قد يقرأ البعض كلماتي هذه فيظن أنها نابعة من تشاؤم أسود أو يأس قاتل، لكنني هنا أؤكد بملء الفم: لست متشائماً، ولا يائساً، ولو كنت كذلك لصمتّ كما يصمت الآخرون، الذين استسلموا لواقعهم المؤلم، يأساً من الإصلاح، أو قنوطاً من الانعتاق من براثن الفساد والمحسوبية، لو كنت يائساً لآثرت السلامة وانسحبت إلى زاوية النسيان، نادباً حظي وحظ وطني.
ولكنني أتحدث وأكتب وسأبقى كذلك، لأنني أحمل في قلبي كل الأمل، ولأنني على يقين تام بأن أوطاننا عامة وهذا الوطن خاصة يمتلك في مقوماته كل أسباب النهوض والبناء والتقدم والتطور، في وطننا من الخيرات ما يكفي أبناءه ويفيض، وفيه من العقول والطاقات الشبابية ما يمكن أن يبني حضارة تنافس أعظم حضارات الأرض، فيه تاريخ يشهد، وجغرافيا تمنح، وشعب قادر على اجتراح المعجزات إذا ما توفرت له الظروف المناسبة.
الوطن فيه ما يغنيه ويعينه ويقويه، لكن أزمتنا الحقيقية ليست أزمة موارد، ولا أزمة تاريخ، ولا أزمة جغرافيا، أزمتنا هي أزمة إدارة، أزمة ضمير، وأزمة انتماء حقيقي يترجم إلى أفعال تتجاوز الشعارات والأقوال، ما ينقص أوطاننا اليوم هو «إرادة الرجال» وهمم الصادقين المخلصين، الذين يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويعملون بصمت وتفانٍ على نهضته من جديد.
نحن بحاجة إلى مسؤولين يرون في مناصبهم تكليفاً ومسؤولية أمام الله والشعب، لا تشريفاً وفرصة للإثراء غير المشروع، بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية تضرب بيد من حديد على أيدي الفاسدين، وتؤسس لنهج جديد يقوم على الشفافية والمساءلة والعدالة الاجتماعية. بحاجة إلى من يكتب سردية وطنية جديدة، سردية تكتب بعرق العمال في مصانعهم، وبسهر العلماء في مختبراتهم، وبإبداع الشباب في مشاريعهم، وبنزاهة القضاة في محاكمهم.
السردية الوطنية الحقيقية لا تُقرأ في بطون الكتب القديمة فحسب، بل تُعاش في الشوارع النظيفة، وفي المدارس المتقدمة، وفي المستشفيات المجهزة، وفي الإدارة الحكومية التي تحترم وقت المواطن وكرامته، السردية الحقيقية هي أن يشعر كل مواطن، مهما كان بسيطاً، أنه شريك حقيقي في هذا الوطن، له فيه نصيب من الثروة والكرامة والفرص، وليس مجرد رقم في سجلات الانتخابات أو دافعي الضرائب.
دعونا نتوقف عن استهلاك الماضي، ولنبدأ في صناعة المستقبل. لنجعل من سرديتنا التاريخية العظيمة معياراً نحاسب به أنفسنا: هل نحن اليوم على مستوى ذلك التاريخ؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فواجبنا الملح هو العمل، والعمل الدؤوب، لاستعادة زمام المبادرة، الأمل موجود، والطريق واضح، ولا ينقصنا إلا أن نتوكل على الله، ونشمر عن سواعد الجد، بإرادة الرجال وهمم الصادقين، لنبني وطناً يليق بتاريخه، ويليق بأحلام أبنائه.
اقرأ أيضاً في رأي

في تشريح بنية «العقل العربي»: عباءاتٌ شتى.. ونسيجٌ واحد!
يختلف الإسلامي والعلماني والقومي والوطني في كل شيء تقريباً، إلا في طريقة التفكير. قراءة في ثماني سمات مشتركة…

متى يكون الرجل عالماً؟!
سُئل الإمام الشافعي: متى يكون الرجل عالماً؟ فأجاب بجملة تختصر مكتبة كاملة، وتضع إصبعها على داء التخصص الضيق:…