تخطَّ إلى المحتوى
الأحد، 1 تشرين الثاني 2026 «قلم رصاص».. لأن المعرفة الحقيقية لا تُكتب على عجل
رأي · رأي

متى يكون الرجل عالماً؟!

سُئل الإمام الشافعي: متى يكون الرجل عالماً؟ فأجاب بجملة تختصر مكتبة كاملة، وتضع إصبعها على داء التخصص الضيق: «لأن الإفراد قاتل».

متى يكون الرجل عالماً؟!

نحن -في الحقيقة- بحاجة ماسة لمعرفة الإجابة، كي تتحدد المعالم، وتتضح الصورة، لا سيما في مثل هذا الزمن، الذي كثر فيه الادعياء، واختفت الوجوه خلف الأقنعة، وغابت الحقائق، وتاهت العقول، وسط كثرة الزحام!!

وما أجمل أن تكون وقفتنا مع الأولين، نرد نبعهم الصافي، ونتأمل كلماتهم، ونبحر في الدلالات والمعاني.. فما أسبر غورهم؟!

ألفاظ قليلة معدودة.. تختصر موضوعات بل مطولات.. تؤلف فيها المؤلفات..

والأمر تزداد أهميته، ويعظم شأنه، حين نرد حوض سيد التابعين وإمامهم. الإمام الشافعي -رحمه الله-، الذي قيل له: متى يكون الرجل عالماً؟!

فأجاب باختصار مفيد، وإجمال مغنٍ عن المزيد:

«إذا تحقق في علم الدين فعلمه، وتعرض لسائر العلوم، فنظر فيما فاته، فعند ذلك يكون عالماً، فإنه قيل لجالينوس: إنك تأمر للداء الواحد بالأدوية الكثيرة المجمعة؟! فقال: إنما المقصود منها واحد، وإنما يجعل معه غيره لتسكن حدته، لأن الإفراد قاتل».


فبالتحقق بداية، ثم بتنوع العلوم، وتعدد الثقافات، وتلون المعارف، يكون الرجل عالماً، فقه عجيب، وفهم دقيق، يستوقفنا أمامه الإمام الشافعي -رحمه الله- الذي هو نفسه كان ممن تنوعت علومهم، وتعددت ثقافاتهم.. فكان لغوياً وشاعراً وأديباً وفيلسوفاً، ومؤرخاً ونسابة، كما كان فقيهاً ومفسراً ومحدثاً.. لقد جمع أطراف العلوم، فنال المكانة، ووفق في الريادة.

وكذا كان علماؤنا جميعاً -رحمهم الله-، فقد كان أحدهم لا يقتصر في طلب العلم على العلوم الدينية فقط، بل يتجاوز ذلك، إلى غيرها من العلوم المفيدة النافعة، التي تعين على فهم حسن، وبعد نظر، في شؤون الدنيا والدين.

فترى أحدهم مرجعاً في اللغة، كما هو في التاريخ والاجتماع والأنساب.. إلخ، فقد جمعت العلوم في واحدهم، وكأنه موسوعة متحركة، هذا بالطبع إضافة إلى تألقه وإبداعه في تخصصه الدقيق، الذي اشتهر به وعرف.

نعم.. فالتعدد والتنوع في فقههم هام وضروري، لأن الإفراد قاتل!!


ولقد عشنا زماناً رأينا فيه من طلبة العلم ومعلميه من يقصر حتى في تخصصه الدقيق، فضلاً عن إلمامه بعلوم أخرى، تعينه على الفهم والتطبيق، وحسن الاستنتاج، وجمال التوصيل..

فتتعدد الأخطاء، وتتنوع المآخذ.. فلسانه معوج «كثير اللحن»، واستنباطه قاصر، وفهمه سقيم، واستنتاجه ضعيف، وعبارته ركيكة، وألفاظه سوقية، وأمثاله عفا عليها الزمن، يحدث هذا كله وهو في ميدانه، ومجال تخصصه، أما إن دخل غير ميدانه شطّ وخلط، وكثر منه الغلط!!

حقاً إن الإفراد قاتل..

قاتل للعلم والعلماء والمتلقين على حد سواء، بما يلقيه أمثال هؤلاء من ظلال سوداء، في ميادين الوعظ، وحلقات التوجيه، ومجالس العلم.. إلخ.

فما أعظم مصيبة الأمة، بعلمائها وفقهائها، حين يكونون أحاديي النظرة، عديمي الثقافة، قاصري الهمة!! تعوزهم الحجة، ويعجزهم الدليل.


وبالجد والاجتهاد، والسهر مع الكتاب، وإكثار القراءة، وتنوع المطالعات.. نواجه هذا الداء العضال، ونحاصر «الإفراد» القاتل!!

د. عبدالله فرج الله د. عبدالله فرج الله أكاديمي وكاتب، رئيس تحرير منصة «قلم رصاص». له إسهامات تحليلية واسعة في كبريات المنابر الإعلامية العربية، تتمحور حول الفكر والتراث وقضايا الوعي العربي والإسلامي.

ضمن ملف: في نقد العقل والتديّن

اقرأ أيضاً في رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *