ماذا ينقص التدين السائد في مجتمعاتنا حتى يكون تديناً حضارياً؟!
المساجد تمتلئ، ومؤشرات التنمية والشفافية وجودة الحياة في المراتب المتأخرة. فجوة بين «كمية» التدين و«نوعية» الواقع، تطرح سؤالاً عن الجودة لا عن الوفرة.

الناظر المتأمل في مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم، يجد حالة من المفارقة العجيبة التي تستدعي التوقف عندها، والتأمل العميق فيها، فمن جهة، نلاحظ حضوراً لافتاً ومكثفاً للمظاهر الدينية في الفضاء العام، فالمساجد تمتلئ بالمصلين، والمراكز القرآنية تشهد إقبالاً واسعاً، والخطاب الديني يتصدر وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، وأعداد المصلين في ازدياد مستمر، ومواسم الحج والعمرة تشهد حضوراً وإقبالاً متنامياً عاماً بعد عام، والكتب الدينية والمواقع الدينية تتصدر قوائم المبيعات، والحجاب أصبح ظاهرة استدعت عداوة الشرق والغرب لمحاصرتها والحد من انتشارها.
ومن جهة أخرى، عندما نوجه أنظارنا نحو مؤشرات التنمية البشرية، والإنتاج العلمي، والشفافية، وجودة الحياة، واحترام القانون، نجد مجتمعاتنا تقبع في المراتب المتأخرة على صعيد المجتمعات، والدول.
هذه الفجوة الشاسعة بين «كمية» الممارسة الدينية و«نوعية» الواقع الحضاري تطرح سؤالاً جوهرياً ومؤلماً: ماذا ينقص التدين السائد في مجتمعاتنا حتى يكون تديناً حضارياً؟ ولماذا عجز هذا الرصيد الهائل من العاطفة الدينية عن التحول إلى طاقة دافعة للنهوض الحضاري وبناء الحياة؟!
الوقوف عند هذه الظاهرة الفارقة في حياة الأمة المسلمة، التي تقطعت أوصالها، وتفرق أمرها، يقودنا إلى حقيقة مؤلمة، مفادها غياب الشرع الإسلامي الحنيف عن منصات الحكم في ديار المسلمين، بعد أن سقطت أو أسقطت مظلة الخلافة الإسلامية، التي كانت تظلل العالم الإسلامي، وجاءت أنظمة في ظاهرها إسلامية، وفي باطنها علمانية، حاقدة على الدين، بعضها حارب الدين، ولم تسلم منه حتى مظاهره من لحية وحجاب على سبيل المثال، وحاصر بيوت الله، وأقصى رجال الدين والدعوة، وعملت أنظمة أخرى على استغلال الدين، لتوطيد أركان حكمها، فاستمالت بعض رجاله، وأسست للدين مؤسسة رسمية، تتبع لهذه الأنظمة، بامتيازات ورواتب وألقاب، تعمل على شرعنة هذه الأنظمة، وإعطاء أفعالها الصبغة الدينية.
المؤسسات الدينية الرسمية
وهذه المؤسسات الدينية الرسمية عملت عملها في المجتمعات المسلمة، حين حصرت الدين في العبادات الفردية، وأقصته عن واقع الحياة، ولم تتدخل في شؤون الحكم، إلا تأييداً وتمجيداً لهذه الأنظمة، وبالتالي أنتجت لنا مسلماً متديناً تديناً مغشوشاً، أو مفصوماً، وبعيداً عن واقعه، يهمه في الدرجة الأولى خلاصه الشخصي.
فهذه المؤسسات عملت في اتجاهين، أساءا للدين، وشوها صورة التدين في حياة المسلم، فمن جهة عملت على خدمة الأنظمة، بتبييض صفحتها، وتأكيد ولاية الأمر في حقها، ولاية الأمر التي تستوجب طاعتها، وعدم الخروج عليها، بل وتحرم نقدها، وتشترط لنصحها السرية التامة.
ومن جهة أخرى شغلت المسلم في أموره التعبدية، من طهارة ووضوء، وصلاة وصوم وحج، وطول اللحية، وشكل الثوب، وشروط الحجاب.. وغيرها من مظاهر العبادة وشكلها، لا روحها وحقيقتها، بل حمله مسؤولية ما أصاب الأمة من غلاء وشقاء، وحل بها من مصائب وبلاء، وجعل هذا بسبب معاصي الناس وبعدهم عن الله، أما معاصي الأنظمة وانحرافاتها وبعدها عن الله وشرعه فلا يتطرقون إليه من قريب ولا من بعيد.
التدين المشوه
ومن هنا فإننا أمام منتج للتدين مشوه تماماً، منتج خال من الدسم، وشبه محاصر في خبايا النفوس، وأداء العبادات الفردية، وجردت المساجد من رسالتها وأبعدت عن أداء دورها، هذا المنتج للأسف غير صالح للاستعمال في الحياة العامة للمسلم، لا في أخلاقه التي تحكم علاقاته، وسلوكه وتصرفاته، ولا في قراراته، ولا في بيعه وشرائه، ولا في وظيفته وعمله، بغض النظر عن نوعه وطبيعته، انفصام تام. فأنى لهذا التدين أن ينعكس على طبيعة الحياة التي يعيشها، أو أن يترك أثراً أو بصمة فيها.
وعليه فإن الخلل الأبرز الذي أصاب التدين السائد بمقتل، هو حالة الانفصام الحاد بين طقوس العبادة وبين السلوك الأخلاقي والاجتماعي، لقد تم اختزال الدين في مجموعة من الحركات والشعائر الفردية، التي يؤديها الإنسان لينجو بنفسه، بينما تم تهميش البعد الاجتماعي والأخلاقي الذي هو ثمرة هذه الشعائر.
فالتدين الحالي الذي تعيشه الأمة تغلب عليه النزعة الفردية؛ فالمؤمن اليوم يبحث عن الأجر والثواب الشخصي من خلال الصلاة والصيام والحج، وهذا حق ومطلوب، لكن المشكلة تبدأ عندما تنتهي علاقة هذا الفرد بدينه بمجرد خروجه من باب المسجد، أو الانتهاء من أداء عبادته.
ضرورة مغادرة الدائرة الفردية
وهذا يتنافى مع متطلبات التدين الحضاري، الذي يعزز الجانب الجماعي في حياة الفرد، ويشعره بالمسؤولية الاجتماعية، من خلال تأكيد دوره الريادي في المجتمع، فالتدين الحضاري، هو الذي يتخلص من القيود الفردية، وينطلق في فضاءات أرحب، فضاء عمارة الأرض وإصلاحها، ويعلمنا أن «إذا قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها»، ويعلمنا أيضاً أن «إماطة الأذى عن الطريق صدقة»، وأن إتقان العمل عبادة، وأن «الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صميم التدين، وأن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، وأن المؤمن يألف ويؤلف.
وكل هذا يتطلب أن يخرج المسلم بتدينه من دائرته الفردية الخاصة بأداء عباداته، إلى دائرة محيطه مسلحاً بأخلاق عباداته، عليه من أنوارها، ومتلبساً بآثارها، محققاً متطلباتها في محيطه الذي يعيش فيه.
لا يمكن للمجتمع أن يبني حضارة، إذا كان الموظف المتدين فيه يصلي الفروض الخمسة في وقتها، لكنه يرتشي أو يتقاعس عن خدمة الناس، لا حضارة مع تدين يبيح الغش في التجارة، أو التعدي على الأملاك العامة، أو تدمير البيئة تحت ذرائع مختلفة، التدين الحضاري يجعل من الأخلاق العملية (الصدق، الأمانة، احترام الوقت، النزاهة) المقياس الحقيقي لمدى تغلغل الإيمان في القلب.
الشعائر التعبدية في التدين الحضاري ليست غاية في حد ذاتها تنتهي بانتهاء أدائها، بل هي محطات دورية لشحن الضمير الإنساني، وتدريبه على مراقبة الذات في كل تفاصيل الحياة.
العقل: من الجمود والتقليد إلى الفهم والاستنباط والاجتهاد
كما أنه لا يمكن للمجتمع المتدين أن يبني حضارة إذا كان عقل المتدين أسير التقليد في كل شأن من شؤون حياته، فثمة تراجع في دور العقل في فهم النصوص وتوظيفها والاستنباط منها، لصالح الفهم الحرفي المقيد، الذي استنبطه وفهمه سلف هذه الأمة، فوقف عند فتاويهم واجتهاداتهم، التي كانت في الأصل استجابة لواقعهم هم، وتلبي احتياجاتهم هم في زمانهم هم، الذي بات لا يشبه زماننا لا من قريب ولا من بعيد، لا في الشكل والمظهر، ولا في الجوهر والمخبر، ولذلك هم بفهمهم واجتهاداتهم بنوا حضارة، ومن هنا فإن التدين الحضاري يتطلب شجاعة فكرية لإعادة قراءة النصوص في ضوء مقاصدها الكبرى، وفي سياق تطور الحياة الإنسانية، وتغير متطلباتها واختلاف معالمها، ومراعاة ما استجد فيها من مسائل وقضايا وعلوم وتقنيات.
التدين: من ثقافة التواكل والانسحاب إلى العمل والتفاعل والإنجاز
كما أنه لا يمكن للمجتمع المتدين أن يبني حضارة إذا كانت ثقافة المتدين فيه ثقافة التشاؤم والتواكل وانتظار المعجزات، وعجز في فهم السنن الكونية، وعدم مصادمتها، والتأكيد على مواكبتها، التدين الحضاري ينطلق من مبدأ قول الله تعالى «هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها»، أي طلب منكم عمارتها وبناءها، بالتنمية والتخطيط العمراني، والابتكار التكنولوجي، وكل ما هو لازم لعمارة الأرض.
التدين الحضاري يرسخ الإيمان بالسنن الكونية، فالنصر والتقدم والرخاء لا يأتي بمجرد الدعاء والأمنيات، بل لا بد من بذل الجهد البشري المستطاع، في التخطيط الاستراتيجي والعمل المؤسس والأخذ بأسباب القوة المادية والعلمية، فإن السماء في النهاية لا تمطر ذهباً ولا فضة، وكذا الحضارات لا تبنى بالدعوات والأمنيات وحدها.
الخلاصة
في الحقيقة لا تكمن مشكلة مجتمعاتنا في وفرة التدين، بل في «جودة» هذا التدين وفعاليته، فالدين في جوهره هو طاقة روحية وأخلاقية عظيمة، جاءت لتحرير الإنسان من مخاوفه وأنانيته، ولتطلق طاقاته الكامنة نحو البناء والإعمار.
ما ينقصنا لنكون مجتمعات حضارية هو أن نعيد للدين وظيفته الأولى: بوصلة للأخلاق، ومحفزاً للعقل، وضماناً للعدالة، ودافعاً للعمل. إن التدين الحضاري لا يقاس بعدد المآذن التي تعانق السماء فحسب، بل يقاس بعدد المدارس والمستشفيات والمصانع ومراكز الأبحاث، التي تُبنى على الأرض، يقاس بمدى شعور الإنسان الضعيف بالأمان، ومدى سيادة القانون، ومدى نظافة شوارعنا وشفافية مؤسساتنا.
يوم يتحول كل مصلٍّ إلى عامل متقن، وكل صائم إلى مواطن نزيه، وكل قارئ للنصوص إلى مفكر نقدي يبحث عن الحقيقة؛ حينها فقط، سيتحول التدين السائد في مجتمعاتنا إلى القوة الحقيقية التي تصنع الحضارة وتغير وجه التاريخ.
اقرأ أيضاً في فكر ومفاهيم

الظن الذي أهلك أهله!!
لم ينقص الإمبراطوريات الساقطة مالٌ ولا عتاد، بل ظنٌّ واحد: أنهم قادرون. قراءة في السنّة الإلهية التي تباغت…

نية المعايشة.. السر المفقود في رحلتنا مع كتاب الله!
من السهل أن تحفظ آلاف الكلمات، وأن ترددها بأعذب الأصوات. لكن السؤال الذي يمحّص القلوب: هل تعيش هذه…

المعجزة الباقية: حين يتجاوز القرآن حدود الحرف ليصنع حياة الإنسان
حُصر الإعجاز القرآني طويلاً في اللغة والبيان. فماذا بقي منه لجيلٍ تراجعت ذائقته اللغوية حتى غدت لغة الضاد…